عماد الدين خليل

90

دراسة في السيرة

بين الدين الجديد والجاهلية يمكّن الإسلام من أن يشق طريقه وسط ركام من العوائق والمصاعب والآلام . وإذ شعرت قريش أنها أخفقت في كل الأساليب التي اعتمدتها لوقف انتشار النار ، فقد ارتأت في أعقاب اجتماع عقده زعماؤها أن ترفع سلاح ( المقاطعة الشاملة ) كعقاب ( جماعي ) للمسلمين وحماتهم من بني هاشم وبني المطلب ، علها تضعف قدرة أتباع محمد على المقاومة ، وتدفع حماتهم ، الذين تشدهم إليهم نخوة العصبية ، إلى أن ينفضوا من حولهم ويتركوهم وحيدين ، معزولين ، مجردين من الحماية ، وسط عاصفة الغضب الهوجاء التي اجتاحت صدور المشركين وساحات مكة . . إلا أن السلاح الجديد يثلم هو الآخر إزاء مقاومة المسلمين وقدرتهم العجيبة على التحمل ، وإزاء التركيب الاجتماعي في مكة ، ذلك الذي دفع عددا من أبنائها الذين تربطهم العصبية بواحد أو أكثر من المحاصرين في شعب أبي طالب إلى أن يتحركوا لوقف هذه المظلمة ، وتمزيق الصحيفة التي سطرت فيها كلمات القطيعة . . ويخرج المسلمون من الأسر الصعب بعد ثلاث سنين من العزلة والجوع والحرب النفسية ، وهم أصلب عودا ، وأغنى تجربة ، وأكثر قدرة على التحرك صوب الهدف الذي آلوا أن يسيروا إليه وراء رسولهم ، حتى ولو كلّفهم ذلك أنهارا من الدماء . . وكانت الأحداث تتلاحق والاضطهاد الوثني يزداد عنفا وشراسة ، ويزيده فتكا وإيلاما ، وفاة سندي الرسول العاطفي والاجتماعي : الزوجة والعم ، وفشل رحلته إلى الطائف ، وكأن إرادة اللّه كانت تعد ، من وراء الظلام الذي ازداد عتمة وكثافة ، بالفجر القادم الذي لا ريب فيه . . . ولن يكون ذلك إلّا بالأسباب . . وهل بعد ( الأسباب ) التي منحها الرسول فكره وأعصابه وطاقاته وهمومه جميعا ، بقادرة على أن تحقق ( وعد اللّه ) ! وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . . . « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : الآية 34 .